ابن عربي

46

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الاستقامة « وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » هذه الآية نص في نزول الملك على الأولياء ، وأن نزول الملك ليس من خصائص النبوة فقط ، فإن اللّه قال في أهل الاستقامة القائلين بربوبية اللّه إن الملائكة تنزل عليهم بالبشرى من اللّه بأنهم من أهل السعادة والفوز وبالأمان ، كل ذلك في الحياة الدنيا ، ومن هنا تنزل الأملاك على قلوب الأولياء ، وفيه أقول : إذا نزل الروح الأمين على قلبي * تضعضع تركيبي وحنّ إلى الغيب فأودعني منه علوما تقدست * عن الحدس والتخمين والظن والريب ففصلت الإنسان نوعين إذ رأت * يقوم به الصفو النزيه مع الشوب فنوع يرى الأرزاق من صاحب الغيب * ونوع يرى الأرزاق من صاحب الجيب فيعبد هذا النوع أسباب ربه * ويعبد هذا خالق المنع والسّيب « 1 » فهذا مع العقل المقدس وصفه * وهذا مع النفس الخسيسة بالعيب ولعلك يا ولي ، إذا سمعتني أقول : تنزل الروح الأمين على القلب ، تنكر وتقول : أوحي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ! لا تفعل أعاذنا اللّه وإياك من وحي كل شيطان غوي ، إنما هو عبارة في العامة عن اللمة الملكية ، وفي الخاصة عن الحديث ، كما ورد في صحيح الحديث ، وفي القديم والحديث ، قال خير البشر : [ إن من أمتي محدّثين ، وإن منهم عمر ] وقال أيضا عليه الصلاة والسلام في قلب العبد : إنه يتصرف بين لمة الملك ولمة الشيطان ؛ ثم كنّى عن هذا التصريف والتقليب بالإصبعين ، وأضافهما إلى الرحمن ؛ فما زالت الملائكة تتعاهد القلوب ، بأسرار الغيوب ، وهي التي تأمرك بالطاعة ، والتزام السنّة والجماعة ، حين تأمرك الشياطين بلمتها ، فإن لم تسمع لها ، أمرتك بالتسويف أو الموافقة ، وتتنوع تنزلات الغيوب ، بتنوع استعدادات القلوب ، ولا تظن أيها الخليل ، أنني أعني بالروح الأمين جبريل ، فإن الملائكة كلهم أرواح أمناء على ما أودعها اللّه من أصناف العلوم الموقوفة على التوصيل ، تارة بالإجمال وتارة بالتفصيل ، ولا بد أن يكون صاحب التنزلات الغيبية عارفا بالمتنزلات وأصنافها ( الخواطر وأجناسها ) ، وعالما بالروائح وأنفاسها ، فلا يتصور إنكار بعد ما قررناه من اللمة والحديث ، إلا من معاند خبيث ، متعنا اللّه وإياكم بنتائج الأذكار ،

--> ( 1 ) السيب : العطاء .